1-الفلك عند المصريين القدماء :
ساعدت الظروف في مصر على تقدم علم الفلك فيها, فالسماء صافية تزينها النجوم و الشمس ساطعة طيلة أيام السنة, و النيل منتظم في جريانه و مواعيد فيضـانه. هذه الظواهر الطبيعية جذبت تفكير المصري القديم ليفسر أصلها و علاقتها مع بعضها البعض, فجسد له خيـاله أن السماء على شكل بقرة اسماها (حاتحور) أي اله السماء , قد ملأت النجوم بطن هذه البقرة .
كما تخيل المصري القديم السمـاء على هيئة امرأة, و قد انحنت على الأرض معتمدة في ذلك على ذراعيها و ساقيها. و قد أضاف إلى المرأة قرني بقرة ليدلا عليها. كما تخيل إن السمـاء ترتكز على أربعـة جبال, كل جبل فيهـا يقع في ركن من أركان العالم الأربعـة, كمـا تخيلها في أحيان أخرى و قد حملت على أربعة أعمدة, أو على أربع قوائم. أما الأرض فقد تخيلهــا المصري على هيئة رجـل مستلقي على بطنه , و قد نبتت النباتات والثمار فوق ظهره . أما موقع الأرض فهو تحت السماء بحيث ترى السماء فوق الأرض تحيط بها من بدايتها وحتى نهايتها. إما الفضاء الذي يفصل بين الأرض والسماء فقد تخيله المصري القديم رجلا يقف على الأرض, و يسند السماء بيديه المرفوعتين إلى أعلى.
و لقد أله المصريون الشمس و عبدوها، و سموها (رع) منذ عصورهم الأولى.
كما تخيل المصري القديم أن حركة الشمس الظاهرية من الشرق إلى الغرب تتم بقارب عبر بحر عظيم هو السماء الذي هو الماء البارد , الذي يجري تحت بطنه الإله (نون) . كما اعتقد المصري القديم بالحياة الآخرة , فالشمس تشرق في الصباح لتنير له عالمه الدنيوي أما بعد الغروب فان الشمس تجتاز العالم السفلي حيث يعيش الموتى , وتستغرق الليل بطوله لتعبره , ثم تشرق في اليوم التالي , لذا اعتقد المصريون بوجود مركبة تستقلها الشمس لتعبر نهرا عظيما هو سماء العالم السفلي أما القمر فهو إحدى عيني (حورس) ؛ حيث إن (حورس) يمثل السماء , و مرة أخرى جعل نابا للإله (رع) اله الشمس ف فترة التي يغيب فيها (رع) ليضيء الدنيا السفلى .
و لقد عرف المصري القديم الكثير عن النجوم و الكواكب لصفاء السماء من جهة , و لارتباط هذه النجوم بالعبادة , و تقديم القرابين في وقت محدد . و قد عرف المصري القديم إن النجوم تتحرك , و إن آلهة السماء تلدها من جديد كل ليلة ، و في الصباح تدخل النجوم في فم تلك الآلهة . كما استطاع ان يفرق بين نجمي الزهرة و عطارد كما عرف المريخ (الحوري الأحمر) و المشتري (النجم الثاقب)، و زحل (حورس الثور) كما تعرف على الدب الأكبر (فخذ الثور)
و الجوزاء (في صورة ادمي ممدود الذراعين) ، و الحوت , و الريا , و العقرب , و الحمل .
كما اهتم المصري القديم بالنجم الذي سماه (ساح) لأن ظهوره كان يعن بداية حصاد العنب . كما إن المصري القديم بذل جهودا كبيرة لإيجاد وسيلة لقياس الزمن , و قد اهتدى من اجل هذا إلى ربط قياس الزمن بحوادث منتظمة الوقوع مثل تعاقب الليل و النهار , و تغير وجه القمر ، و تغير موقع النجوم .
و لقد تبين للمصري القديم إن بداية وصول الفيضان إلى رأس الدلتا يقترن دوما بشروق نجم الشعرى اليمانية أي حوالي 19 تموز . لذلك عد الأيام الفاصلة بين شروقين متتاليين لنجم الشعرى اليمانية فوجدها 365 يوما فقسمها إلى12 شهرا , و جعل أيام كل شهر تساوي 30 يوما . و هكذا فان اثني عشر شهرا تبلغ 360 يوما تؤلف عاما كاملا. أما ما تبقى من 5 أيام فقد سماها أيام النسيء , و هي الخمسة الموجودة فوق السنة . أي أن المصري القديم استطاع
أن يقسم السنة إلى شهور , و الشهور إلى أيام , و اليوم إلى وحدات اصغر لكي يقوم بالعبادة ،
و تقديم القرابين في أوقاتها تماما . و قد قسم الليل و النهار إلى اثنتي عشرة ساعة . لكن ساعات الليل و النهار لم تكن متساوية لأنه اعتبر الليل يطابق الوقت المظلم, و اعتبر النهـــــار يطابق الزمن المضيء لكن المصري القديم لم عرف وحدة قياس زمنية اصغر من الساعة(2).
2-الفلك عند سكان بلاد الرافدين :
إن الدراسات و الأرصاد الفلكية ليست جديدة علينا بل كان البابليون أول من اهتم بعلم الفلك . وربما كانت الدوافع التي دفعتهم للاهتمام بعلم الفلك ،ناتجة عن قيامهم بعبادة الأجرام السماوية ،وقد توصلوا إلى نتائج جديرة بالاهتمام والذكر ، وإنهم أول من طبق المثلثات في تفسير دورة القمر وكذلك طبقوا في علم الفلك نظامهم السداسي في الحساب ، وجعلوا محيط الدائرة 360 درجة ، أما الآلات الفلكية التي استخدمها البابليون فهي الساعة الشمسية والساعة المائية لقياس الوقت ليلا وكذلك الساعة الكروية التي تصور قبة السماء بشكل معكوس ، وبعض الآلات البسيطة الأخرى .
لقد ابدع البابليون في رصد الكواكب والنجوم وكذلك تنبؤا بظاهرتي الكسوف والخسوف مكتشفين دورة الساروس saros وغير ذلك من الاكتشافات الفلكية التي تدل على دقة أرصادهم ،بالرغم من عدم توفر أجهزة الأرصاد الدقيقة التي لم تتطور إلا بعد مايقارب الثلاثة الاف سنة .
إن أقدم الوثائق البابلية التي عثر عليها ترجع إلى القرن السادس عشر قبل الميلاد والتي تم فيها تعيين تعيين مواقع كل من الشمس والقمر والكواكب السيارة.
أما الكلدانيون ،فقد برعوا بعلم الفلك بعد ما ورثوا حضارة العراق ،وأقاموا دولتهم في بابل سنة 625 ق.م ، فربطوا أيام الأسبوع بالشمس والقمر والكواكب السيارة (عطارد،الزهرة،المريخ،المشتري،زحل) ثم حسبوا أوقات الخسوف والكسوف .
ولقد امن أهل الرافدين إن الكون يسير وفق نظام هو إرادة الآلهة . فـ (آنو) اكبر الآلهة عندهم يسكن السماء في أعلى نقطة فيها , و يقتسم مع الإلهين (أنابيل) و (أيا) الكون. فيحكم (آنو) السمـاء , و (أنابيل) الهواء و الجو و (آيا) الأرض والمــاء . كما أدرك أهل الرافدين أهمية القمر , و كانوا يعتبرون خسوف القمر من الحوادث العظيمة , و إن خسوف القمـر يحدث نتيجة لهجوم سبعة شياطين أو أرواح شريرة على اله القمر (سين). و قد اله أهل الرافدين الشمس , و اتقدوا إن القمر يلدها . فالشمس تلد الليل و النهار , و تمحو الظلمة و تحمي الموتى . أما بالنسبة للكواكب و النجوم فقد اعتبروها بأنها كتابة, الآلهة و رقيم السمــــاء. و من أهم الكواكب كوكب الزهرة , حيث ألهها باسم الآلهة عشتار . كما عرف أهل الرافدين القدمـــاء التقويم, إذ إنهم قسموا السنة إلى اثني عشر شهرا قمريا, و قد ميزوا بين شهور القمـــر، فبعضها كان عدد أيامه 29 يوما ، و بعضها 30 يوما ، وبذلك يكون مجموع أيام السنة 354 يوما ، أي اقل من السنة الشمسية بحوالي 11 يوما , و لتلافي هذا الخطأ لجأ ابـــن الرافدين القديـم إلى كبـس شهر عند الحاجة, فتكـون سنته كبيسة ثلاثــة عشر شهرا. و لقد قسم أهل الرافدين اليوم إلى اثني عشر قسمــــا, أي إن كل قسم يساوي ساعتين من ساعاتنا الحالية, كمـا قام بتقسيم كل قسم من هـذه الأقسام إلى 30 جزءا و هكــذا يكون اليوم عندهم قد قسم إلى 360 جزءا متساويا. كذلك قسم أهل الرافدين الشهر إلى أربعــــة أسابيع . و من انجازات أهـل الرافدين إبداع البروج التي أخذها العالم عنهم . و أساس البروج إنهم قسموا دائرة السمــاء إلى 12 ساعة أو قسم من ساعاتهم أو أقسامهم, كما قسموه إلى 360? . كمــا قاموا بتقسيم سمت الشمس أو دائرة البروج إلى اثني عشر قسما بواسطة النجوم الثوابت , و سموا كل قسم بنجم من تلك النجوم . و توصلوا بذلك إلى ما يعرف بالبروج ألاثني عشر, و مثلوا كواكب تلك البروج بعلامات و رموز هي التي أخذها العالم عنهم شكل (1 – 1) ،وان تسمية دائرة البروج Ecliptic باللغة الانكليزية مشتقة من كلمة الكسوف Eclipse ،والبابليون هم أول من عرف بأن الخسوف يحدث للقمر والكسوف للشمس عندما يقطع القمر دائرة البروج .فلهذا تدعى هذه الدائرة أحيانا بالدائرة الكسوفية.
و لقياس ساعات الليل و النهار استخدم أهل الرافدين ساعات مائية لقياس ساعات الليل و استخدموا الساعات الشمسية أو المزوال لقياس ساعات النهار . أما طريقة استخدام ساعات فتتلخص بجعل المـاء يتسرب من إناء مدرج بكميات متساوية خلال الليل, أما عن استخدام ساعات النهار, فتتلخص باستخدام الظل الذي تسقط أداة تثبت بشكل عمودي على أداة تحتها(2).