العلوم الرياضية عند البابليين القدماء ودورها في التقدم



Rating  0
Views   274
فؤاد حمزة عبد الشريفي
12/12/2016 18:04:50

العلوم الرياضية عند البابليين القدماء ودورها في التقدم يعنينا قبل الخوض في مجال هذا المنجز أن نؤكد على أن مطلق منجز حضاري مشرقي لم يكن الاّ انعكاساً للتفاعل المادي الروحي على مدى التاريخ المشرقي، لهذا فالبعد الأخلاقي للمنجز الحضاري شكلّ بعداً إنسانياً. وهذا ماجعل الحضارة المشرقية العربية ضرورة إنسانية. ولو عدنا إلى حوالي 1800 سنة قبل الميلاد، فلسوف يكون بين أيدينا رقيم طيني يحوي مسألة رياضية تدلّ بشكل أكيد على جذور نظرية تالس /طاليس/ التي تؤرخ بحوالي 600 ق. م. يؤكد العالم فريدريك بيلانشون «أن الرياضيات كانت في بابل (1800 ـ 1500) ق. م ولا سيما في زمن الملك (الأموري) حمورابي، فقد عثر في الألواح الطينية على أدلة تؤكد وجود أسس رياضية في الهندسة وحساب الكميات وحل مسائل من الدرجة الثانية، وحساب الجذر التربيعي». ويحدد هذا الباحث مميزات الرياضيات المشرقية بما يلي: 1. التجريد: الذي يعبّر عن تقدم في المعارف الرياضية. 2. حدة ذكاء جبري: حيث استطاع المشرقيون أن يحصلوا بالتحليل الصحيح لأشكال هندسية خاطئة على نتائج صحيحة وعلمية. ويصل الباحث للقول: لقد دلت الآثار الرياضية البابلية على ثقافة حسابية كونتها علامات متقطعة جاءت من الحساب الرقمي وقياس المساحات والأحجام وعلم الفلك، وبالتالي كان لابد لليونان من ان يأخذوا هذه المعلومات وينسقونها يشكل جذري يربط بينها المنطق والعقل، وكان ذلك في عام 600 ق. م حيث أسس تالس أول عملية استنتاجية. وهنا نجد أنفسنا أمام اعادة قراءة لهذا المنجز وفق البعد الشمولي للحضارة السومرية، وليس كما بدا للباحث بيلانشون. فالتداخل ضمن المشرق العربي /عبر تاريخه/، الاجتماعي ـ الاقتصادي ـ الروحي، ووحدة الحياة التي أكدتها الكشوفات الأثارية، تجعلنا نقرأ هذا المنجز ضمن اطاره المجتمعي التاريخي، فلا يمكن أن ننظر إليه ضمن الحيّز الذي وضعه فيه بيلانشون، فهو ليس منجز حصل في جزيرة منعزلة اسمها بابل، وبالتالي فثمة سلسلة تاريخية اجتماعية تحكم ظهور وإبداع هذا المنجز، عنيت في ذلك التفاعل الديمغرافي الاجتماعي الحاصل في مسار التاريخ بين الأكاديين والسومريين والعموريين والبابليين والآشوريين والكنعانيين والآراميين، بحيث أدى إلى ظهور هذا المنجز وغيره من المنجزات. لهذا فنحن أميل للأخذ بمبدأ الشمول في قراءة مطلق منجز مستندين على الواقع الاجتماعي التاريخي. أيضاً، هناك مسألة مهمة طرحها الباحث وتتعلق بهوية تالس، فحسب بيلانشون أن تالس اليوناني!، هو الذي ربط المعلومات الرياضية البابلية بالمنطق والعقل وأسس أول عملية استنتاجية. لكن الحقائق العلمية التاريخية تدحض اعتبار تالس يونانياً وتعيده إلى هويته المشرقية الكنعانية، فقد ذكر هيرودوس أن تالس هو سوري، فينيقي، وأكّد ذلك فيثاغورس وأرسطو وأريستوكسان، وتؤكد المعطيات التاريخية أن طاليس ولد في صيدا وهاجر إلى جزيرة ساموس اليونانية، ثم عاد إلى سورية واتصل بمدرسة موخوس في صور واعتزل في أحد الهياكل الكنعانية في فلسطين ثم هاجر إلى مصر وبابل حيث قضى عشر سنوات. وحين كان في 56 من العمر ذهب إلى ساموس وأسس مدرسته هناك. على كل هذا يمكننا فهم منجزنا الرياضي وفهم كيفية نقله إلى بعده الإنساني دونما تعصب ولكن بعصبية وعلمية، وعلى هذا يقول بيلانشون: «اننا مدينون للبابليين، هؤلاء المفكرون العظام الذين ساهموا في وضع أساسات العلم الرياضي في الحضارة الإنسانية». أما ول ديورانت فيشير إلى بابل في الألف الأول ق.م /وهي استمرارية لبابل في الألف الثاني ق.م/ بالقول: «من بابل جاء اليونان الجوالون إلى مدنهم بالقواعد الأساسية لعلوم الرياضيات والفلك والطب والنحو وفقه اللغة وعلم الآثار والتاريخ والفلسفة، ومن المدن اليونانية انتقلت هذه العلوم إلى روما ومنها إلى الأوروبيين والأمريكيين، وليست الأسماء التي وضعها اليونان للمعادن وأبراج النجوم والموازين والمقاييس والآلات الموسيقية والكثير من العقاقير، ليست هذه كلها إلا تراجم لأسمائها البابلية، بل إنها في بعض الأحيان لا تعدو أن تكون بديلاً لحروفها من الأحرف البابلية إلى اليونانية». ويعقّب: «لقد انتقلت حضارة أرض النهرين من مهدها وأضحت عنصراً من التراث الثقافي للجنس البشري». وتنبغي الإشارة هنا إلى أن الرياضيات خرجت من معطف التجارة والنشاط التجاري، لا بل أن علم الفلك انبثق من تحالف الرياضيات مع المعتقدات الماورائية.

وصف الــ Tags لهذا الموضوع   بابل رياضيات تجريد